ابن قيم الجوزية

332

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

وفي مسند الإمام أحمد مرفوعا : ( ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم ) وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن الله يمسكه بقدرته وحلمه وصبره . وكذلك خرور الجبال وتفطير السماوات الرب تعالى يحبسهما عن ذلك بصبره وحلمه فإِن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار في مقابلة العظمة والجلال والاكرام يقتضي ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه الأسباب أسبابا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه تقابل تلك الأسباب التي هي سبب زوال العالم وخرابه ، فدفعت تلك الأسباب وقاموتها . وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها إياه فغلب أثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من قبل العقوبة ثم جمع الأمرين في الذات إذ هما قائمان بها فقال : ( أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك ) فإِن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه فهو الذي أذن في وقوع الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكوناً فمنه السبب والمسبب وهو الذي حرك الأنفس والأبدان وأعطاها قوى التأثير وهو الذي أوجدها وأعدها ومدها وسلطها على ما شاء وهو الذي يمسكها إذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها . فتأمل ما تحت قوله : ( أعوذ بك منك ) من محض التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره وتكميل التوكل عليه تعالى والاستعانة به وحده وأفراده بالخوف والرجاء ودفع الضر وجلب الخير وهو الذي يمس بالضر بمشيئته وهو الذي